مقدمــة

خلال العقدين الماضيين ظهر اتجاه ينذر بالخطر نحو تقويض الحرية الأكاديمية واستقلال مؤسسات التعليم العالي وحظرهما وفرض القيود عليهما، ولهذا الاتجاه علاقة مباشرة بتقليص نظام التعليم العالي الذي يتم تبريره في اغلب الأحيان بالتقشف الاقتصادي و/ أو المواءمة السياسية. وكان اخطر ما ينذر به هو الانتهاكات المتزايدة لحقوق الإنسان للمدرسين والطلبة والباحثين والكتاب التربويين بصرف النظر عن النظم السياسية في كل اتجاه العالم.

وقد نشأت الفكرة الأصلية للإعلان عن حلقة تدريبية عقدتها "الخدمة الجامعية العالمية" في نانتس في عام 1984، وهي الحلقة التي بدأت برنامجاً جديدا هو: - "التضامن والتعاون بين الجامعات"– تحت مسؤولية لجنة خاصة. وقد طلبت هذه اللجنة، بعد تنظيم حلقة تدريبية في مدريد في سبتمبر 1986، إلى مانفريد نوواك، المدير الحالي للمعهد الهولندي لحقوق الإنسان، اقترح مشروع إعلان. وقد نبعت فكرة الإعلان من إدراك انه على الرغم من وجود صكوك وتوجيهات شاملة في ميدان حقوق الإنسان بوجه عام، كان هناك افتقاد لمثل هذه الصكوك والتوجيهات في ميدان التعليم العالي شمل حرية الجامعات واستقلالها.

وقد كتب مشروع الإعلان في يناير 1987، وخاضت اللجنة عملية شاقة لمناقشته واختباره وتنقيحه بالتشاور مع الشبكة الدولية للجان الوطنية التابعة " للخدمة الجامعية العالمية"، سواء على المستوى الوطني أو الإقليمي. كما أرسل المشروع إلى أكثر من خمسين منظمة متخصصة لتقديم ملاحظاتها عليه، وكان لمقترحاتها فائدة كبيرة في الصياغة النهائية للإعلان. وتم تنقيح المشروع ثلاث مرات قبل إن تقره الجمعية العمومية الدولية "للخدمة الجامعية العالمية" في سبتمبر 1988.

وكانت هناك محاولات جديرة بالثناء من جانب المجتمعات الجامعية على كل من المستوى الوطني والدولي للرد على التحديات المختلفة الناشئة عن تدهور الحرية الأكاديمية، غير إن محاولات كثيرة منها واجهت المشكلات دون توافر مفهوم واضح عن الحرية الأكاديمية وعن أبعادها ومتضمناتها. وتأمل "الخدمة الجامعية العالمية" أن يكون باستطاعة هذا الإعلان، في عام الذكرى الأربعين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، تمهيد الطريق أمام مزيد من الفهم، ومزيد من المناقشات، ومزيد من الإجراءات في اتجاه الدفاع عن الحرية الأكاديمية واستقلال مؤسسات التعليم العالي.

وقد قاومت "الخدمة الجامعية العالمية" المناداة بهذا الإعلان على أنه دولي، ذلك ان "أعلان ليما" يجيز للمجتمع الدولي التحرك في اتجاه المناداة بإعلان دولي بشأن الحرية الأكاديمية واستقلال مؤسسات التعليم العالي من خلال عملية مناقشة ومشاورة على مستوى أعلى آخذة بعين الاعتبار الإعلان الراهن بوصفه نقطة بدء. ومن اجل هذا الغرض نحن نقدم بعض المقترحات للعمل ، وذلك في ظهر غلاف هذا الكتيب.

إعلان ليما بشأن الحرية الأكاديمية واستقلال مؤسسات التعليم العالي

ديباجـــة

إن الجمعية العمومية الثامنة والستين للخدمة الجامعية العالمية، التي اجتمعت في ليما في الفترة من 6 إلى 10 سبتمبر 1988، عام الذكرى الأربعين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

إذ تضع نصب عينيها المجموعة الشاملة من المعايير الدولية في ميدان حقوق الإنسان التي أقرتها الأمم المتحدة والمنظمات العالمية والإقليمية الأخرى، لا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية واتفاقية اليونسكو لمناهضة التمييز في التعليم،

واقتناعا منها بأن الجمعيات والمجتمعات الأكاديمية يقع عليها التزام بمواصلة الوفاء بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية للشعوب،

وإذ تؤكد على أهمية الحق في التعليم من اجل التمتع بجميع حقوق الإنسان وتطور الأفراد والشعوب،وإذ ترى أن الحق في التعليم لا يمكن التمتع به بصورة كاملة إلا في مناخ الحرية الأكاديمية واستقلال مؤسسات التعليم العالي،

وإذ تدرك تعرض المجتمع الأكاديمي تعرضا أساسيا لضغوط سياسية واقتصادية،وإذ تؤكد المبادئ الأساسية التالية المتعلقة بالتعليم:

‌أ- لكل إنسان الحق في التعليم.

‌ب- يوجه التعليم نحو التنمية الكاملة للشخصية البشرية ولإحساس الإنسان بكرامته، ويعزز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية والسلم. والتعليم يمكن جميع الأشخاص من المشاركة بفعالية في بناء مجتمع حر يقوم على المساواة، ويشجع على التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الأمم وجميع المجموعات العنصرية أو العرقية أو الدينية، كما يشجع التفاهم المتبادل والاحترام والمساواة بين الرجل والمرأة. والتعليم وسيلة لفهم الأهداف الرئيسية للمجتمع المعاصر والإسهام في إنجازها، مثل المساواة الاجتماعية والسلم والتطور المتكافئ لكل الأمم وحماية البيئة.

‌ج- ينبغي لكل دولة أن تكفل الحق في التعليم دون تمييز من أي نوع فيما يتعلق بالعنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين، أو المعتقد السياسي أو غيره من المعتقدات، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الوضع الاقتصادي، أو حالة الميلاد أو غيرها. وينبغي لكل دولة أن تخصص نسبة كافية من دخلها القومي لكي تضمن في الممارسة الحق الكامل في التعليم.

‌د-التعليم أداة للتغيير الاجتماعي الايجابي، وينبغي أن تكون في ذاته ذا صلة بالحالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية لبلد بعينه، وان يسهم في تحويل الوضع القائم نحو البلوغ الكامل لجميع الحقوق والحريات، وان يكون خاضعا للتقييم الدائم.

تعلن هذا الإعلان.

تعـاريــف

1- لأغراض هذا الإعلان

‌أ- "الحرية الأكاديمية" تعني حرية أعضاء الأكاديمي، فرديا أو جماعيا، في متابعة المعرفة وتطويرها وتحويلها، من خلال البحث والدراسة والمناقشة والتوثيق والإنتاج والخلق والتدريس وإلقاء المحاضرات والكتابة.

‌ب- "المجتمع الأكاديمي" يغطي جميع أولئك الأشخاص الذين يقومون بالتدريس والدراسة والبحث والعمل في مؤسسة للتعليم العالي.

‌ج- "الاستقلال" يعني استقلال مؤسسات التعليم العالي عن الدولة وغيرها من قوى المجتمع، وصنع القرارات المتعلقة بسير العمل الداخلي فيها وبماليتها وإدارتها، وإقرار سياساتها للتعليم والبحث والإرشاد وغيرها من الأنشطة ذات الصلة.

‌د- "مؤسسات التعليم العالي" تتكون من الجامعات وغيرها من مراكز التعليم ما بعد الثانوي وما يرتبط بها من مراكز البحث والثقافة.

2- التعاريف السالفة الذكر لا تعني أن ممارسة الحرية والاستقلال الأكاديميين لا تخضع لقيود على نحو ما هو واضح في هذا الإعلان.

الحرية الأكاديمية

3- الحرية الأكاديمية شرط مسبق أساسي لوظائف التعليم والبحث والإدارة والخدمات التي تسند إلى الجامعات وغيرها من مؤسسات التعليم العالي. ولجميع أعضاء المجتمع الحق في الاضطلاع بوظائفهم دون تمييز من أي نوع ودون خشية التدخل أو القهر من جانب الدولة أو أي مصدر آخر.

4- الدولة ملتزمة باحترام وضمان جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمجتمع الأكاديمي التي يعترف بها عهدا الأمم المتحدة بشأن حقوق الإنسان. وكل عضو في المجتمع يتمتع بوجه خاص بحرية الفكر والضمير والدين والتعبير والاجتماع والانضمام إلى الجمعيات، وكذلك بالحق في الحرية والأمن الشخصي وحرية الحركة.

5- يتمتع جميع أعضاء المجتمع على قدم المساواة بإمكانية الوصول إلى المجتمع الأكاديمي دون تمييز. ولكل شخص، على أساس المقدرة، الحق دون تمييز من أي نوع في أن يصبح جزءا من المجتمع الأكاديمي، كطالب أو معلم أو باحث أو عامل أو مدير. والتدابير المؤقتة التي ترمي إلى التعجيل بالمساواة الحقيقية لأعضاء المجتمع الأكاديمي المحرومين لا تعتبر تدابير تمييزية، شريطة أن توقف تلك التدابير عندما تكون مقاصد التكافؤ في الفرصة والمعاملة قد أنجزت. وتضمن الدولة ومؤسسات التعليم العالي نظاما للاستخدام الثابت والمضمون للمعلمين والباحثين. ولا يفصل أي عضو من المجتمع الأكاديمي دون تحقيق عادل أمام هيئة من المجتمع الأكاديمي منتخبة ديمقراطيا.

6- جميع أعضاء المجتمع الأكاديمي الذين يضطلعون بمهام بحثية لهم الحق في إجراء بحوثهم دون أي تدخل، رهنا بالمبادئ والمناهج العالمية للبحث المحدد، كما أن لهم الحق أيضا في إبلاغ نتائج بحوثهم في حرية إلى الآخرين ونشرها دون رقابة.

7- جميع أعضاء المجتمع الأكاديمي الذين يضطلعون بوظائف التدريس لهم الحق في التدريس دون أي تدخل رهنا بمبادئ التدريس ومعاييره ومناهجه المقبولة.

8- يتمتع جميع أعضاء المجتمع الأكاديمي بالحرية في إقامة اتصالات مع نظرائهم في أي جزء من العالم، وكذلك بالحرية في مواصلة تنمية قدراتهم التعليمية.

9- يتمتع جميع أعضاء طلبة التعليم العالي بالحرية في الدراسة، بما في ذلك الحق في اختيار ميدان الدراسة من بين المقررات المتوافرة، والحق في الحصول على إقرار رسمي بما يكتسبونه من معارف وتجارب. وينبغي أن يكون هدف التعليم العالي هو تلبية الاحتياجات والتطلعات للطلبة. كما ينبغي للدولة توفير موارد كافية للطلبة المحتاجين كي يواصلوا دراساتهم.

10- تكفل جميع مؤسسات التعليم العالي اشتراك الطلبة في هيئاتها الإدارية، كما ينبغي لجميع الدول ومؤسسات التعليم العالي احترام حق الطلبة، فرادى وجماعات، في التعبير عن آرائهم بشأن أية مسألة قومية أو دولية.

11- ينبغي للدول اتخاذ التدابير المناسبة لتخطيط وتنظيم تنفيذ شبكة للتعليم العالي المجاني لجميع خريجي التعليم الثانوي وغيرهم من الأشخاص الذين يثبتون قدرتهم على الدراسة بفعالية عند ذلك المستوى.

12- جميع أعضاء المجتمع الأكاديمي لهم الحق في حرية الانضمام إلى جمعيات مع آخرين، بما في ذلك الحق في تشكيل نقابات والانضمام إليها لحماية مصالحهم. وينبغي لنقابات جميع قطاعات المجتمعات الأكاديمية أن تشارك في صياغة المعايير المهنية لكل منها.

13- تكون ممارسة الحقوق المنصوص عليها أعلاه مقترنة بواجبات ومسؤوليات خاصة، ويجوز أن تكون خاضعة لقيود معينة ضرورية لحماية حقوق الآخرين. وتجري مباشرة التدريس والبحوث في توافق كامل مع المعايير المهنية، وفي استجابة للمشاكل التي تواجه المجتمع.

استقلال مؤسسات التعليم العالي

14- تواصل جميع مؤسسات التعليم العالي تنفيذ الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية، وتسعى إلى منع سوء استخدام العلم والتكنولوجيا لما يلحق الضرر بتلك الحقوق.

15- تتصدى جميع مؤسسات التعليم العالي للمشاكل المعاصرة التي تواجه المجتمع. وتحقيقا لهذه الغاية ينبغي ان تستجيب مناهج الدراسة في هذه المؤسسات، وكذلك أنشطتها، لاحتياجات المجتمع بوجه عام، كما ينبغي ان تتناول مؤسسات التعليم العالي بالنقد أحوال القهر السياسي وانتهاكات حقوق الإنسان داخل مجتمعها.

16- توفر جميع مؤسسات التعليم العالي التضامن مع المؤسسات الأخرى التي من هذا القبيل ومع أعضاء مجتمعاتها الأكاديمية عند تعرضهم للاضطهاد. ويجوز أن يكون مثل هذا التضامن معنويا أو ماديا، ويجب أن يشمل على توفير الملجأ وفرص العمل أو التعليم لضحايا الاضطهاد.

17- ينبغي لجميع مؤسسات التعليم العالي أن تسعى إلى الحيلولة دون التبعية العلمية والتكنولوجية وان تعزز مشاركة جميع المجتمعات الأكاديمية في العالم على قدم المساواة في متابعة المعارف واستخدامها وان تشجع التعاون الأكاديمي الدولي الذي يتجاوز الحواجز الإقليمية والسياسية وغيرها.

18- يتطلب كل من التمتع بالحرية الأكاديمية والاضطلاع بالمسؤوليات المذكورة في البنود السابقة درجة عالية من استقلال مؤسسات التعليم العالي. وتلتزم الدول بعدم الإخلال باستقلال مؤسسات التعليم العالي، وكذلك الحيلولة دون مثل هذا الإخلال من جانب قوى أخرى في المجتمع.

19- يمارس استقلال مؤسسات التعليم العالي بالوسائل الديمقراطية للحكم الذاتي التي تشتمل على المشاركة الفعالة من جانب جميع أعضاء المجتمعات الأكاديمية لكل منها. ويجب أن يتمتع جميع أعضاء المجتمع الأكاديمي بالحق والفرصة، دون التمييز من أي نوع بالاشتراك في مباشرة الشؤون الأكاديمية والإدارية. ويتم اختيار جميع الهيئات الإدارية لمؤسسات التعليم العالي بالانتخاب الحر، وتتكون من أعضاء من مختلف قطاعات المجتمع الأكاديمي. ويجب أن يشمل الاستقلال القرارات المتعلقة بالإدارة وتحديد سياسات التعليم والبحث والإرشاد، وتخصيص المواد وغير ذلك من الأنشطة ذات الصلة.